فى صحبة “السيد”

أضف تعليقا

كان الذى كان، وكأنه ما كان!

كأنه الحلم، وتحقق!

لا بل هو حقًا حلم وتحقق!!!

كنت أعد العدة للسفر للذهاب لمعرض الكتاب، ولكنى قلت أسافر الجمعة صباحًا وأصلى فى المقطم مع شيخنا يسرى رشدى السيد جبر فى مسجد الأشراف، وأقابل أيضًا شيخة أسامة السيد الأزهرى، ولكن الله لم ييسر السفر يوم الجمعة فكان السبت صباحًا.
ذهبت للمعرض مع صلاة الظهر، فكان على أن أصلى قبل كل شئ، حتى أستريح وأنا أمشى ويذهب عنى إحساس الذنب الذى يظل يلازمنى كلما أجلت صلاة، فصليت فى المسجد لأنى لم أجد أحدًا يصلى فى الحدائق الممدوة بطول وعرض المعرض، وبعد الصلاة دخلت الجناح المقابل للمسجد وهو سراى (جناح) ألمانيا، رغم أن هذا الجناح ليس ضمن اهتماماتى لعدم وجود المكتبات التى أفضلها بداخله، ولكنه القدر الذى جعلنى أدخل، ودخلت أول صف فى اليمين ، ولا أعرف لماذا، ولكنه القدر.
وكانت المفاجأة، فبعد أن كنت أنظر وأنا لا أرى المعروض أمامى من الكتب ـ لعلى كنت مسير لهذا الذى سيحدث فلم أرى شئ حتى لا ألتفت له فيشغلنى ـ وكان النداء الذى لم أكن أتوقعه، مع أنى تخيلته مرات، حقيقـةً مع أنى تخيلت الذى سيحدث ولكنى لم أكن أتوقع حدوثه على أرض الواقع ولا بهذه السرعة الذى حدث بها، وأول شئ بعد الصلاة.
لم يكن النداء من كتاب من ورق!!!، ولكن من كتاب من لحم ودم!!!
كان النداء الذى أسعدنى هو نداء شيخى أسامة لى..
“إزيك ياشيخ عبد الله”
فالتفت لأجده واقفًا أمامى يمسك بأحد الكتب،ويلبس ملابس عادية ـ ملابس الفرنجة بنطلون وقميص وجاكت كبير يصل إلى ركبته ـ فدار فى رأسى سؤال، كيف لم أره؟..
ولكنى سلمت عليه وملت لألثم يده لكنه سحبها بلطف، سألنى عن عدم ظهورى، فأجبت أنى أعد العدة للتقدم للتجنيد، دعا لى بالتوفيق، فسالته عن اسم كتاب ينصحنى به فأشتريه، لكنه غاب عنى، بين الكتب والأوراق، حتى التفت فجأة فوجدنى، وكأنه لم يكن يتوقع وجودى أو كأنى ظهرت فجأة، فتذكر.. وابتسم، فسألته عن اسم كتاب ينصحنى به.. فغاب مرة أخرى، ورغم سعادتى باللقاء لم أكن أعرف ماذا أفعل، هل أمشى وأتركه يغيب بين الكتب؟ أم أنتظر حتى يفاجئ بى مرة أخرى؟، حقيقـةً لم أكن أعرف، فتجولت داخل دار النشر اللتى كنت أقف على بابها فلم أجد ما يشدنى، فاحترت مرة أخرى، فقررت الرحيل وقلت لو أن لى نصيب من اللقاء أكثر من هذا فسنلتقى، فمشيت، وظللت أدور بين دور النشر، ودخلت الصف الذى يليه، وكان النصيب الذى كان قد قدر، فوجدت شيخى مرة أخرى فى دار تفصل بين الصفين ومفتوحة من الجانبين، فرأنى فسلمت عليه ولثمت يده، فسألته عن اسم كتاب ينصحنى به، وذكرته أنه قد طلب من نحن المصلين فى مسجد السلطان حسن وهو واقف فوق المنبر أن نقرأ كتاب “بداية الهداية” للإمام أبو حامد الغزالى وقال أن هذا الكتاب صغير الحجم عظيم النفع، وقد كان، فسعدت به بعدما اشترينه وقرأته، وفى السنة التى تلتها نصحنا أيضًا من على نفس المنبر أن نقرأ كتاب “التفكير فريضة إسلامية” للأستاذ عباس محمود العقاد، فاشتريته وتعرفت من خلاله على الأستاذ العقاد وسعدت به أيضًا، ولكنى لم أكد أكمل كلامى حتى كان الذى عهدته منه، غاب عنى الشيخ!!!، فروجته أن يخبرنى حتى لا أعطله.. فصمت!، فحدثنى نفسى بأنى لا أريد أن أبتعد عن الشيخ فقلت أسأله الصحبة فإن وافق كان بها وإن كان العكس فلا ضير، وكنت قد لاحظت أن معه شيخ وشخص أخر لا أعرفهما، فتلفت الشيخ فجأة وسأل عن الشيخ أشرف فعرفت أنه الذى كان واقف بجانبه ويلبس الجلباب فنظرت فى الصف الثانى ورجعت لأخبره بأنه ليس موجود به فقال ها هو فى الأمام ومشى فمشيت خلفه، وكأن الذى دار فى رأسى قد وكأن البحث والمشى خلفه هو استأذان بالصحبة، فوقفنا أما رأس الصف الثانى أو الثالث لا أذكر ولكنه ـ شيخى ـ سأل الشيخ أشرف عن كتاب لطالب علم فسالنى الشيخ أشرف بعدما وجه لى وجهه هل كتاب فى الفقه؟ فقلت فى أى شئ فقال “أى شئ” هذه واسعة.. وسكت ولم يجب، فسألنى شيخى عن كتاب مجالس الصالحين وهل هو عندى ـ حقًا لا أذكر اسم الكتاب بالتحديد ولكنى أعتقد أن هذا اسمه ـ فقلت لا فقال عندى نسختان ولك واحدة فشكرته.
وكنا قد وصلنا إلى دار النيل للنشر وهى دار تنشر كل أعمال الشيخ محمد فتح الله كولن من تركيا فنظرنا إلى بعض الكتب ومشينا، ودخل شيخى دار نشر وظل ينظر للكتب ويغيب بين عناوينها وترك شنطة بها كتاب له على أحد الأرفف فتوجهت ناحية الشنطة وأخذتها فنظر لى الشيخ أسامة وقال لى جزاك الله خيرًا فابتعدت عنه قليلاً حتى أترك له المجال للنظر، فحمدت الله على أنه وافق على الصحبة بدون أن أطلبها، وكأنه قرأ ما يدور فى نفسى فحمدت الله مرة أخرى.
وتذكرت فى هذه اللحظة مقالات الشيخ التى يكتبها وتذكرت مقالة مميزة كانت لها ذكرى، فقد كتب شيخى مقالة عنوانها “هيا بنا نسرق” التى وضعتها على مجموعة الشيخ فى موقع الفيس بوك ووجهن رسالة لكل الأعضاء عنوانها “شيخ يدعوا للسرقة” ووضعت رابط للمقالة، وكان رد أحد الأعضاء عنيفًا بأن الشيخ أعلم منى ومن أهلى، ورغم أنى كنت متفق مع ما قاله هذا العضو ولكنى رأيت أنه لم يفهم مقالة الشيخ أو أنه لم يقرأها، فرددت عليه بأن الشيخ هو الذى كتب المقالة وهو واضع عنوانها وإن لم يكن هو واضع عنوانها فهو موافق على هذا العنوان بدليل أنه لم يعترض وهو أيضَا فى داخل المقالة يدعوا للسرقة، فقرأ المقالة واعتذر وأصبحنا أصدقاء، ولكن الذى شجعنى على صحبة الشيخ هو دعوته للسرقة التى جائت فى المقال فتحدث فى البداية عن الرفيق فقال:
“هل يرتفع الطائر بلا جناح؟!!
هل تبصر بلا عين؟!!
هل تسير بلا قدم؟!!
هل تعيش بلا روح؟!!
هل ترحل بلا رفيق؟!!!
***************

الرفيق….
الذي إذا نسيت الله ذَكّرك.
وإذا ذَكَرته أعانك.
وإذا توجهت إلى الله دَفَعك.
الرفيق..
الذي سطعت مكارمه.
وظهرت شمائله.
وزاد بالله تعلقه.
ورأيت في صفحته النقية همم الأكابر.
وأخلاق الصالحين.
الرفيق..
الذي اتضحت عنده الوجهة.
وامتلأ بالعزيمة والذكاء والفكر الحر..
والعقل المبدع..
وفهم سر الحياة..
وعرف مراد الحق سبحانه..
وآثر الله على ما سواه.
وتعلق بالملأ الأعلى..
الرفيق..
الذي صار عبدا ربانيا..
يقوم بواجب وقته..
ويسعى بين الناس بالهداية..
ويتشرف بوراثة النبيين..
ويتحرك في الأرض بالعمران، مع الإنابة إلى الدار الآخرة.”
ولم يكد الشيخ يكمل المقالة حتى شجعنا على السرقة فقال:
“طبع الإنسان شديد الحساسية والتأثر..
يلتقط بسرعة…
وعلى نحو شديد الخفاء…
وتنطبع فيه المعاني الدائرة في طباع الآخرين..
فإذا خالط الإنسان رفاقه تلاقحت عقولهم..
وتبادلوا المعارف والخبرات…
والطبع من وراء ذلك يختلس من طباعهم..
وتسري إليه -على نحو خفي- سجاياهم وعاداتهم…
فإن كانوا أهل رفعة ونور وبصيرة وجد الإنسان في اجتماعه بهم انشراحا.
وإقبالا على الله.
وزيادة في همته..
وأيقظوا أشرف ما في النفس من شمائل.
وإن كانوا غير ذلك فإن الطبع ينتكس بمخالطتهم..
ويجد الإنسان في نفسه فجأة أخلاقا غريبة حادة، لا يعرف من أين أتته.
ويوقظون أدنى ما في النفس من طمع وحرص ودنيوية، وبعد عن الله، وانقطاع عن الملأ الأعلى..
حتى عبر ابن الجوزي -رحمه الله- عن هذا المعنى تعبيرا لطيفا جدا، لا يمكنك أن تنساه، قال: “وينبغي أن يُعْلَمَ أن الطبعَ لِصٌّ، فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طبائعهم، فصار مثلهم، وإذا نظر في سير القدماء زاحمهم، وتأدب بأخلاقهم”.
نعم، الطبع لص، يسرق بلطف.
ونحن نريد أن نتيح له السرقة من شمائل الصالحين، وأخلاق المتقين.
فإنها أشرف سرقة عرفها الإنسان في تاريخه.”
ويدلنا الشيخ على هذا الرفيق:
“ولكن……….
أين أجدهم؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وكيف أتوصل إليهم؟؟؟؟
وهل لمثل هؤلاء وجود؟؟؟
*******************

هناك أحد احتمالين:
أن يوفقك الله إلى صديق من هذه الفئة بدون تعب..
أو أن تتعب في البحث فلا تجد..
وحينئذ………
إليك الحل….
هم يملأون الدنيا من حولك..
ولكنك تعزل نفسك عنهم..
خذ كتابا من الكتب التي شرحت أحوال الأكابر من هذه الأمة..
واستخرج لنفسك منه رفيقا..
وشيخا..
تعيش معه..
وتنقب عن تفاصيل حياته..
وترى أحواله الشريفة الزاكية..
وتخالط أنفاسه..
وتدعو له..
وتكون معه..
فقد فنيت أجسادهم..
وبقيت شمائلهم وأحوالهم..
وهم أحياء عند ربهم يرزقون..
فإذا اشتد تعلقك بهم كنت معهم..
ولا يضرك حينئذ بعد الزمان ولا المكان..
فقد قال لك الله كن معهم فكنت معهم…
ولهذا السر امتلأ القرآن بسير الأنبياء والمرسلين والصالحين.
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} سورة يوسف، آية 111.
فكن يا صديقي من أولي الألباب، ينفتح لك الباب.”
فتذكرت كل هذا الكلام وقلت أنا معى الرفيقان الصديق الذى من لحم ودم وهو شيخى والصديق الكامن بين الكلمات وفى الأحرف الموجود داخل الكتب، فحمدت الله.

وكانت الصحبة، فظللنا نمشى، الشيخان فى الأمام وأنا وواحد أخر خلفهم، وكلما اشترى شيخى كتاب أخذته، فقلت لنفسى فلتكن الخادم وليكن شيخى هو السيد، ألم يطلب سيدنا موسى من سيدنا الخضر أن يتبعه {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}، وأنا لست مثل سيدنا موسى، أأكون أفضل منه، وأنا بكل تأكيد سأستفيد، على الأقل سأستفيد كيف ينظر شيخى للكتب وعلى أى أساس يشترها وأشياء أخرى لا أعرفها ولكنى سادركها فى وقتها {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا }، {فَانطَلَقَا}.

وانطلقنا نحن بين جنبات الجناح، ولاحظت أن شيخى يذكر للشحص الذى معنا ولا أعرفه أننا قربنا على الانتهاء، حتى وقعت عينى فى عين هذا الشخص فابتسمت له فرد على بابتسامة، ولكنى أعتقد أنى رأيته من قبل فشكله ليس بغريب علىّ، فذهبت له وسلمت عليه وسألته عما إذا كنا نعرف بعضنا من قبل فشكله ليس بغريب علىّ، فجاوبنى بسؤال وقال لى منذ متى تعرف الشيخ أسامة؟ فقلت له منذ حوالى تثلاث سنوات أو أربع، فقال لهذا أن تعرفنى، قلت له أرأيتك مع الشيخ من قبل، فقال أنا أخوه وفينا كثير من الملامح ـ أو كما يقول المصريين بينهما شبه ـ قلت نعم ولكن لماذا لم ألاحظ هذا، أيكون لعدم وجود ذقن، قلت ربما وظللت أنظر له ولشيخى!!!، وعرفته بنفسى وعرفنى بنفسه فقال عصام السيد ـ أتمنى أن تكون الأسماء دقيقة فبعد الزمن قليلاً وكثرة المشاغل قد تنسينى الكثير فأرجو المعذرة ـ وتحدثنا قليلاً ومشينا خلف مشايخنا فقد حدثنى الأستاذ عصام عن أنه يرى الشيخ أسامة شيخه رغم أن الشيخ أصغر منه سنًا، وذهبنا إلى دار نشر تعرض أعمال الأديب العالمى باولو كويلهون ونظر شيخى لرواية الخيميائى وقال للشيخ أشرف هذه الرواية من أكثر الكتب مبيعًا وهى قد احدثت ضجة، فقلت هى جيدة، ولا أعرف لماذا تحدثت هل حاولت أن أظهر لشيخى أن مثقف وقارء ! لا أعرف! ولكنى شيخى كان رحيمًا فسألنى إن كنت قد قرأت رواية عزازيل فقلت له نعم، فسألنى عن ماذا تتحدث الروايتان، فأجبت بأن الروايتان يجمعهما فكرة البحث فبط الخيميائى يبحث عن الكنز الذى قيل له عنه ـ لا أذكر اسماء الأشخاص فى الرواية للبعد الزمنى للقراءة ـ والبطل فى عزازيل الراهب هيبا يبحث عن الحقيقة، حقيقة الأشياء، فهو غير متيقن من حقيقة الأشياء التى يتداولها الناس فهو يشك فى كثير مما يقال عن السيد المسيح وألوهيته، وأنه ابن الله، وتمثله فى الجسد، فهو يبحث عن حقيقتها كما يبحث عن التعلم، تعلم الطب ـ ربما تكون إجابتى هنا أكثر وضوحاً مما قلته لشيخى ـ، فانطلقنا حتى خرجنا من الجناح وقد كنت حملت الكثير من الكتب، فقال شيخى نذهب ونضع الكتب فى السيارة وكان هذا بعدما استشار شيخى الشيخ أشرف عن الوجهه وكبف نمشى وأين نذهب، وذهبنا ووضعنا الكتب وأهدانى شيخى كتابه “صائد اللؤلؤ” وهو عبارة عن جزء من مقالاته التى ينشرها على موقع بص وطل، فشكرته، وصلينا الظهر، وجعل شيخى الشيخ أشرف هو الإمام، وكنت اقتربت من الشيخ أشرف بعدما تقدم خطوات للأمام للذهاب لموضع الصلاة القريب من السيارة، وسألته بأدب عن اسمه وأنى أعرف أن اسمه الشيخ أشرف وفقط ولا أعرف عنه شئ فقال لى أنه الشيخ أشرف مكاوى شيخ مسجد فى منطقة 6 اكتوبر، وقد قالى لى أخى بعد ذلك أنه كان شيخ مسجد السيدة نفيسة، وكنت انا قد سمعت به من قبل، فرحبت به، ولا حظت قبل الصلاة أيضًا ونحن فى طريقنا للخروج من جناح ألمانيا أن هناك شاب يمشى معنا لا أعرفه، وبعد الصلاة التى صليتها أنا للمرة الثانية حيث كنت قد سبقتهم حينما دخلت المعرض.

ولا أعرف هل نفسى التى حدثتنى أم الشيطان بسؤال كيف يؤخر هؤلاء المشايخ الصلاة، أليس الواجب أن يصلوا الصلاة فى أوقاتها، ألم يروى أن أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، فلماذا أخر الشيخان الصلاة، ووجدت سؤال يدور فى رأسى أواهذا الذى كنت تبغيه من الصحبة؟ فاستعذت الله، وقلت حسب علمى هذا خطأ وفد يكون فى الأمر إباحة عند الإنشغال، ولكنى أكدت على أن هذا الأمر خطأ وما كان يجب أن يخرج منهما، ولذت فى صمتى.

فانطلقنا وافترق عنا شقيق شيخى ودخل سراى 5 التى بها الأهرام لبعض حاجته وصمم شيخى على أن نشرب شئ فشربت أنا والشيخ أشرف شاى وشيخى شرب عصير والأستاذ مصطفى ثابت الذى كان يصحبنا منذ البداية شرب عصير، وكنت قد تعرفت على هذا الشاب النابه، جميل الخلقة والخلق، فهو درعمى ـ من كلية دار علوم ويقال للذى ينتسب لهذه الكلية درعمى ـ وقد دار بيننا حديث عن شيخى.

وبعد الاستراحة وهبوب بعض النسمات وهطول بعض القطرات من ماء السماء، وكأنها نزلت من السماء لتروى الكتب بمائها فيخرج كل كتاب سنبلة وفى كل سنبلة مائة فائدة والله يضاعف ما يشاء، أنشد لنا أستاذ مصطفى بعض أبيات من الشعر نسبها لصديقه، وقد علق الشيخ أشرف على صاحب الأبيات بأنه سينتظر كثيرًا حتى يصبح شاعرًا، وقال كيف يقول فى شعره “وينثر الشعر فى جيبى”، أينثر الشعر فى الجيب! هذا عجيب! وهذا ليس تصويرًا، ووقفنا لننطلق واستشار شيخى الشيخ أشرف عن الوجهة والطريق، فاقترح سراى كندا، وعند الباب طلب شيخى من الأستاذ مصطفى أن يجلب له كتب طه عبد الرحمن، وهنا لم أعرف ماذا أفعل أأذهب مع الصديق الجديد لشراء الكتب أم أظل مع شيخى، فنظرت لشيخى حتى يخبرنى بما يريد، وكأنه قرأ ما فى رأسى من أسئلة، فرد على أسئلتى بسؤال! “تحب تروح مع الأستاذ مصطفى” يخيرنى بين البقاء معه أو الذهاب مع مصطفى، وكأنه يطلب ولكن فى خجل، فقلت له سأذهب معه لنشترى الكتب، فأنا سأنتظر الشيخ حتى يجلب كتبه وأنا سأنظر هنا وهناك على المعروض، فقلت أن فى الذعاب فائدة أكبر، وهو مشاركة هذا الشاب ومعاونته، وقد كان، فافترقنا شيخى والشيخ أشرف، ومصطفى وأنا، ومشينا نتحدث عن شيخى فبدأت بأن الشيخ أمره عجيب فى الإجابة على الأسئلة فهو لا يجيب على قدر السؤال! بل يزيد فى الإجابة حتى ترى الأمر بصورة مختلفة فمرة بعين الصقر ومرة بعين فاحصة، وشتان بين العينين، وهو يزيد على هذا بأن فى الإجابة يرد اسم أكثر من كتاب، حتى أنى قررت حينما كان يخطب فى مسجد “السلطان حسن” أن أكتب كل مايقوله من كتب فقط، ولكن حالة بين هذه الرغبة التى كنت أعددت لها أجندة لكتابة أسماء الكتب فيها أن ترك الشيخ المسجد وتركت أنا القاهرة، فقال الأستاذ مصطفى أن هذا الأمر راجع إلى الشيخ “عبد الله الصديق الغمارى” فقد ذكر أن أهل مصر يحبون الإجابة المختصرة على السؤال أى أن هذا الأمر حلال أو حرام ولا شئ آخر، بينما أهل المغرب يفضلون الإجابة التى تنتج بحثًا آخر، فيزدا الإنسان علمًا، وقال مصطفى أن الشيخ أسامة قد ذكر هذا الكلام فى رسالة الماجستر، فسعدت بهذه الإجابة.

وفى رحلة البحث عن كتب الفيلسوف “طه عبد الرحمن” التى لم نجدها فى مكتبة مدبولى فرجعنا إلى سراى ألمانيا، وهناك افترقنا أنا ومصطفى ولم أعثر عليه فرجعت إلى شيخى فاخبرته بما كان فابتسم، وجاء مصطفى بالكتب، وذهبنا لنضعها فى السيارة، فقال شيخى نصلى العصر، فانتبهت، وسألت نفسى كيف لم أسمع الأذان ولم أنتبه له، فأدركت لماذا أجل الشيخان الصلاة، فالغياب بين الكتب والبحث والنظر إليها لا يسمعك شئ آخر وخصوصًا وأن القاعات أسمنتية تحجب الصوت مع وجود ضجيج الزوار، فعذرتهم وندمت على أنى نظرت إلى مشايخنا هذا النظرة التى كنت ذكرتها بعد صلاة الظهر من تأخير الصلاة.. الخ.

وهنا يجب أن أذكر شئ قبل الفراق ـ فراقكم لقرب نهاية الموضوع وفراق الشيخ ـ وهو أن شيخى الشيخ أسامة أمّر الشيخ أشرف مكاوى وجعله أميرنا وهو هنا يقيم حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام الذى رواه أبو هريرة “إذا خرج ثلاثة فى سفر فليؤمروا عليهم أحدهم ” وعرفت لماذا يجعله شيخى إمامنا فى الصلاة وعرفت لماذا يسأله قبل كل خطوة إلى أين ياشيخ أشرف؟ وربما كان الذى من شيخى لرؤية أخرى لا أعرفها ولكن هذا تفسيرى لها، فأدعوا الله أن أكون وفقت.

واجتمعنا مرة أخرى مع شقيق الشيخ الأستاذ عصام السيد، وكان قد عرض على الشيخ كتاب “سياحة نامة” للمؤرخ التركى “أوليا شلبى”من أحد الأصدقاء الذين قابلونا قبل لقاء الأستاذ عصام السيد، فأعجب به الشيخ وطلب منى أن أعطيه الكتب التى معى ونلحقه فى سرتى 7 بعد أن نذهب أنا ومصطفى مرة أخرى لكى نجلب هذا الكتاب من الهيئة العامة للكتاب الموجودة فى سراى 4، وقد كان، وعند خروجنا أنا والأستاذ مصطفى من السراى ( الجناح ) بعد شراء الكتاب، قلت له سأذهب أنا لسراى 3 لشراء كتاب الموتى المنشور فى سلسلة الذخائر من هيئة قصور الثقافة، وقلت له سألحقكم، وبعد أن اشتريت الكتاب ذهبت لسراى 7 وبحثت عن دار ابن كثير التى أخبرنى شيخى أن سيكون بها فلم أجدها فبحث داخل القاعة فلم أجدهم بحثت أكثر من مرة، وكان نفس الرد، لا يوجد أحد.

وكما التقينا فجاة افترقنا فجاة، فمشيت وقلت لنفسى هذا حظك من الصحبة، ولو قدر الله لك أكثر من هذا لكان، ولكنه لم يقدر غير هذا، فشكرت الله وحمدته على هذه الصحبة الطيبة.

وفى المساء قبل أن أغوص فى أحلامى، استرجعت الأمر الذى كان، فتذكرت أنى فى صلاة الظهر التى كانت قبل القاء دعوت الله فى سجودى، وقلت “إلهى دلنى على من يدلنى عليك وأوصلنى إلى من يوصلنى إليك” وهذا الدعاء لسيدى مصطفى البكرى فى ورد السحر.

وعرفت أن الله استجاب دعائى، فحمدت الله، فالحمد لله على على كال حال.

وهذا الذى كان، أوردته من غير تدقيق، فكثير من الجمل التى وردت على لسان مشايخنا غير دقيقة لأنها من الذاكرة، وأنا والحمد لله ذاكرتى ليست جيدة، فالحمد لله. فأرجو العذر على هذا التقصير، ولكن الذى جعلنى أكتب هذه الكلمات هى حبى فى شيخى وحبى لإظهار مثل هذه الذكريات الدفينة بين أضلع المريدين والعشاق، فأرجوا الله أن يخرج الجميع ما لديه من ذكريات عن مشايخنا، فالبعد قاسٍ، فلتكن مثل هذه الكلمات والذكريات غطاء نتدثر به فى برد البعد عمن نحب.

وقد كان الذى كان وكأنه ما كان!!!

 

ـــــــــــــــــــ

نشرت يوم الثلاثاء، فبراير 09، 2010

الإسلام بين الدعوة والصحوة

أضف تعليقا

التعرف على الذات ـ البوطي

التعرف على الذات ـ البوطي

الإسلام بين الدعوة والصحوة

لم يكن خروج رجل فى شبه الجزيرة العربية ليقيم دولة وإمبراطورية ويغزو البلاد شرقًا وغربًا.

بالطبع لم يكن كذلك.

ولم يكن أيضًا رجلاً خرج إلى الناس ليدخلهم صوامع ومساكن يتعبدون فيه الله لا يضرهم من ضل أو اهتدى.

بل جاء النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الضلمات (الحيوانية) إلى النور (الإنسانية)

فقام فيهم مرشداً. وقام فيهم قائدًا لدولة الإسلام، ليس لحماية الدين فقط، ولكن لكى يكتمل هذا الدين، فلإسلام ليس مجرد عبادات وهو أيضًا ليس ليس مجرد دولة أو نظام يحكم نيابة عن الرب.

لقد جاء الدين بأوامر ونواهى للفرد وللمجتمع. فليس صحيحًا أنه جاء ليصلح ما بين العبد وربه وحسب. ولكن جاء ليمتد هذا الصلاح الذى بينه وبين الله ‘لى المجتمع (الأمة).

ولما كان حالنا الآن لا يقوم على أساس الدين الصحيح (الفرد والجماعة معًا)، كان لابد للنظر لهذه الهنة (السقطة)

فيستعرض الدكتور محمد سعيد رمضان البوطى فى كتابه الرائع الماتع (التعرف على الذات) (التعرف على الذات هو الطريق المعبد إلى الإسلام) أن سائر مظاهر التخلف التى رانت على العالم الإسلامى كانت بسبب عاملين:

أولهما: الإنبهار بمظاهر النهضة الأوربية.

وقد أورث هذا الإنبهار شعورًا بالنقص، وريبة فى حقيقة الدين ورغبة أن يعامل الإسلام هنا كما عوملت النصرانية هناك إبان النهضة الأوربية.

ثانيهما: بقايا الثورة الهائجة على قيود الكنيسة .

وكان هذا خلال النصف الأول من القرن العشرين

ولكن الذى طرأ بعد ذلك امران:

1- زوال الإنبهار الذى كان قد غشّى على أبصار الأمة الإسلامية.

2- سكون بقايا تلك الثورة المعتلجة فى صدور الغربيين.

وجرى فى الماء الذى بين الشرق والغرب الكثير، فبعد ان كان الإشمئزاز من الدين أصبح التطلع إلى المناقشة والحوار والبحث عن الجذور الواحدة للأديان لتعقد بينها صلحًا حقيقيًا يمكن لاعتماد عليه فى حل مشكلات الحضارة.

ويتسأل الدكتور البوطى: هل لهذه التحولات أثر على تقويم حقيقة الدعوة الإسلامية سواء من حيث أهميتها الذاتية، أو من حيث ما قد يجب أن تتقيد به من منهج وأسلوب؟

ويجيب الشيخ الجليل: بأن الأهمية الذاتية للدعوة الإسلامية قد تضاعفت، وأن واجب النهوض بها أصبح أشد أهمية وأكثر اتساعًا. ويقول أن هذه المهمة قد تحولت من الفروض الكفائية ـ فى أغلب الأحقاب التى خلت ـ إلى فرض عين.

وأما عن المنهج الأمثل للدعوة فيرى أن أهم الدعائم الكلية الهامة لنجاح المسلمين فى القيام بأعباء الدولة الإسلامية هى عدة شروط:

1- المعرفة: فيجب أن يكون الداعى إلى الله على بينة من حقيقة الإسلام وأن يعرف الناس به ويدعوهم إليه.

ترى، هل الإسلام مذهب فكرى أو سلوكى يقارع غيره من المذاهب المماثلة؟ أم هو مذهب ينافس المذاهب الأخرى؟ أم هو جملة تشريعات وقوانين تنسخ بها بقية التشريعات؟ أم هو يمين فى مواجهة يسار أم يسار فى مواجهة يمين؟

ويتلطف بنا الكتاب فى تعريف الداعى إلى الله مجموعة أشياء يجب أن يكون عالمًا بها منها أن الإسلام ليس مجموعة تشريعات ولا مذهب فكرى ، فهو ليس هذا ولا ذاك. ولكنه كما يدل عليه اسمه. استسلام مطلق لألوهية الله وحده، ثم انقياد لأمره ونهيه وقضائه.

ويشير غلى أن قوام الدين الحق الذى ألزم به عباده مكون من ثلاثة أركان: إيمان وإسلام وإحسان.

فمغرس الإيمان فى القلب، ومكان الإسلام الجسد كله، ومستقر الإحسان صلة ما بين القلب الذى آمن والجسد الذى استسلم.

ويرى أنه لا قيمة لدعوة الناس إلى اختيار منهج معين فى السلوك أو نظام متميز للحياة ، إلا الإصطباغ التام بالعبودية المطلقة لفاطر السماوات والأرض.

2- هو أن تشيع الدعوة أولاً فى صفوف المسلمين أنفسهم: ويرى أن مجرد انتشار الدعوة فى صفوف المسلمين هو فى حد ذاته دعوة.حتى إذا استقام أمرهم على النهج السليم، وتجسدت فى حياتهم حقائق الإسلام وفطرته وأخلاقه، انبثق لهم من ذلك لسان مبين يدعو الأمم الأخرى إلى اتباع دين الله عز وجل، وتجلى من سلوكهم أمام تلك الأمم خط مضئ يشق سبيله وسط أمواج الظلام وعكر المذاهب والأفكار المنحرفة. فكان من ذلك أهم عامل يحمل تلك الأمم على مزيد من الاهتمام بفهم الإسلام أولاً، ثم الاعتناق له والانصباغ به ثانيًا.

3- تلاقى الجهود بين الراعى والرعية: فلا قيمة لما قد تنفرد به فئات أو أفراد من المسلمين فى نطاق العمل الإسلامى، إذا لم تكن للدولة الحاكمة فى ذلك دور أساسى فعال، ولئن ظهر بعض الفوائد والأثار فهى لا تعدو أن تكون أثارًا جزئية، ويغلب أن تكون مع ذلك سطحية ومؤقته.

فالذين يرشدون ويوجهون إنما يجتازون بالناس عقبة نظرية فقط، وتبقى من بعدها مرحلة السعى إلى التنفيذ ، وهى مليئة بالعقبات والمعوقات.. ولا يقدر على تذليل تلك العقبات وإزاحة المعوقات، إلا قادة المسلمين وأولو الأمر فيهم.

وما أظن إلا أن هذه المسؤلية، هى التى يجسدها ويعبر عنها الأثر القائل: إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن

ويرى شيخنا أن من الخير أن نبحث عن السبب الذى أفقد روح التعاون الحقيقى بين المتحرقين على الدعوة الإسلامية من آحاد المسلمين والقائمين على أمرهم من القادة والحكام!

إن السبب، بكلمة جامعة مختصرة، هو السياسة!

لقد كانت كلمة “السياسة” تعنى فيما مضى سلوك سبيل الحكمة والتعقل إلى الهدف المنشود. فكانت مطية زلولاً وسبيلاً معبدة إلى بلوغ الغايات السامية. ولكن تحولت هذه الكلمة إلى ألوان معقدة من المناورات والمحاولات ووجه التعامل بين القادة. وتحول من وسيلة إلى وسيلة وغاية فى نفس الوقت!!

ونظر شيخنا. فرأى : أن الدين ذاته واحد من الوسائط الخادمة!.. فما اكثر ما يستنطق الدين بما نهواه السياسة.

مع العلم أن الله جل شأنه، ما أنزل الدين على عباده إلا كبحًا لجماع الرعونات، وجمعًا لشتات الآراء، وإزالة لأحقاد القلوب وسخائم النفوس. فمعاذ الله أن تكون له وجوه متعددة يصانع بها أرباب السياسة وأبطال الكرّ والفر، ليفوز برضوان الجميع!

إن علينا جميعً أن ندرك أن العمل السياسى فى أيدى قادة الأمة الإسلامية، ليس إلا سلاحًا لخدمة الإسلام وإقامة المجتمع الإسلامى فوق أرفع ذرى الأرض

مالك بن نبى.. إحكى يا مالك

أضف تعليقا

هذه متعة عقلية لا تقارن إذا كنت من محبى الحياة السريعة والصاخبة، بالطبع أنت لن تجد ماكدونالدز وبيتزا هت ولا حتى مؤمن، وكذلك أنت لن تجد أغانى الدقيقة ولا نانسى وهيفا ـ حيث كل ما ذكرت أصبح مقترن بالحياة السريعة فى الوقت الحاضر ـ ولكن هذا الرجل لم يهدأ له بال، أنا أطلقت عليه الرجل الباحث فهو دائمًا يسأل ماذا أفعل؟ على مدار الكتاب ستجد هذه الجملة تتكرر كثيرًا، فهو ينتقل من مكان لآخر ومن حال لحال فى سرعة ليس لها مثيل، هو دائمًا ما يكون هنا ويسير عليه أن يذهب إلى هناك ـ دعك من أن الظروف تضطره إلى ذلك فى بعض الأحيان ـ ولا تسألنى أين هنا وأين هناك فهى كثيرة، فى هذا الكتاب ستعرف على كثير من مشكلات الحركة الإسلامية والثقافية وعيوب الصوفية.
ستتعرف على الجزائر وفرنسا، ستركب السفن والقطارات، ستير فى الشوارع وتجلس فى الميادين.
بالرغم من أن كاتب المذكرات هو مالك بن نبى إلا أن هذا الأسم لم يرد قط فى المذكرات بل إن اسمه الوارد السيد الصديق، ربما يكون السيد لقب ولكن ماذا عن الصديق.
وهذا الكتاب حقًا جولة فى عالم المثقفين والسياسيين والحركات الإسلامية، كل هؤلاء تجدهم فى هذا الكتاب، ستتعرف على بعض ما أصاب الجماهير الغفيرة والمثقفين من أمراض.
يستعرض مالك أو السيد الصديق بعض المشكلات خصوصًا داء الكلام فيقول ” فتحت فى الجزائر محابس الكلام، فاستولى على كل فرد داء الكلام كلامه أو كلام جاره، وإنه لداء قتال!
حتى إن بعض المصابين كان ذات يوم مع الجمهور التبسى ـ نسبة إلى تبسة فى الجزائر ـ، يستمع إلى الخطباء يتكلمون بقاعة المهرجانات، فطلب الكلمة فلم تعط له، فصرخ:
- إنى سأنفجر إن لم أتكلم ! ..
فأراد بعض الحاضرين أن يتفادو الانفجار فقالوا:
- أعطوه الكلمة ! .. أعطوه ! ..
قفز المريض على المنصة ومكنسة بيده، لا أدرى أين وجدها وقال:
- يجب أن نكنس الاستعمار هكذا ! ..
هذا كل ما قاله وهو يلوح بالمكنسة ، ثم نزل مرتاحًا كمن تنفس بعد ضاق صدره؛ ولا يستطيع أحد تقدير ما تكبدنا من خسائر جوهرية منذ استولى علينا مرض الكلام، ومنذ أصبح المجتمع سفينة تائهة.
كانت الأفكار قبل ذلك صافية، والنوايا خالصة صادقة، والقلوب رحيمة خيرة ، فاستحال كل ذلك إلى الخلط والخبط والتباغض والانتهازية والثرثرة.”
وله مقولة جميلة للتعبير عن كل هذا فيقول السيد الصديق كل ذى أذن أصبح ذا فم يتكلم.
ولبعض المثقفين أمراض، فيعتل عقله ويمرض فكره ويتبدل انتمائه، فيروى السيد الصديق أن واحدًا قام خاطبًا فى الناس هو حمودة بن الساعى ـ صديق السيد الصديق ـ فقال له، إننى لا أعتقد أن هذه المحاضرة من تحرير حمودة بن الساعى، ولا من بنات فكره ، فبعض جملها سبق وتكرر على مسمعى كأننى طالعتها فى إحدى المجلات الشرقية.
وهنا يقول السيد الصديق ” لم أكن قد عرفت بعد أنها حالة مرضية تعترى غالبية حاملة الثقافة عندنا،فإن كانت ثقافتهم تقليدية فمثلهم الأعلى فى الشرق، وإن كانت عصرية فمثلهم الأعلى فى فرنسا.
وبالأحرى لم أكن أعرف أن هذه الحالة المرضية تعترى كل مثقفى العالم الإسلامى ، إذ تراهم يعانون مركب نقص نحو الثقافة الغربية ، وإنما تتخذ هذه الحالة عندنا ازدواجية بسبب ما يعانى الشباب تجاه ( طه حسين ) من ناحية وتجاه ( فرانسوا فانون ) من ناحية أخرى، لأن التكوين غالبًا ما يكون أدبيًا.
وهى بالتالى ظاهرة عامة: إن كل مجتمع فقد حضارته يفقد بذلك كل أصالة فى التفكير، أو فى السلوك أمام أفكار الأخرين.
ويستعرض حادثة تدل على مرض المثقفين حيث دعى لندوة كان المتحدث فيها برنارد لوكاش رئيس المنظمة اليهودية ، وحينما قام مالك بن نبى للرد عليه، تلطف به واستعرض وحشية الوضع الاستعمارى فى الجزائر وكان يلاحظ بعض الانكماشات على وجه برنارد ليس لأنه فوجئ بالصورة ، إذ هو يعرفها بحذافيرها، بل لأنه كان ينتظر من مالك الفظاظة والعجرفة التى تجرح العواطف عوض أن تنيرها، كان ينتظر منه ذلك لمعرفته بأسلوب المثقفين بنوعيه، فإما الإطراء والمدح أو التهريج والتهييج.
وحينما جاء الدكتور ( بومالى ) يحذر النواب من الاستقالة فقال له مالك “..
-إنك إذن قد أتيت بإنذار لمدينة تبسة.. يا دكتور.
قلت له هذه الكلمات وحدقت فيه البصر، فتنحى من وجهى قليلاً……
وفى تلك اللحظة أدركت تمامً الموقف: إن النخبة المثقفة ولجت بكل وضوح طريق الخيانة، وإن الاستعمار بدأ يستخدم الزعماء لإلقاء الحيرة والريبة فى الضمائر، مفضلاًَ هذه الطريقة على ( اتخاذ الإجراءات الصارمة ) التى لا تزيد إرادة الشعب إلا صلابة.
وينتقد مالك بن نبى فكرة نقل القيادة من الفقهاء والعلماء إلى أصحاب الطرابيش ” لقد فقدت الكلمة قيمتها بانتقالها من النادى أو المسجد إلى المقهى، منذ سلّمتِ القيادة ( المعمّمة ) زمام الأمر للقيادة ( المطربشة )، حتى على رأس المؤتمر الجزائرى الإسلامى، الذى ذهب أول ضحية لهذا التسليم.
ومع هذا الشكل الذى يظهر ( محافظـًا ) إلا أنه فى موضع أخر يظهر ( إصلاحيـًا ) ” كان يحرجنى التدخل حاكم صلح بين أخوين، يرى كل منهما نفسه أنه على صواب، الأول باسم تقاليد نسختها الأيام، والثانى باسم حرية تقرير المصير التى رسخت الأيام معناها فى الأذهان” فهو هنا يصف التقاليد بأنها نسخت.
بطبيعة الحال أغلب المفكريين اضطهدوا، وتعرضوا لمتاعب أو مشاكل، فلن يتوقف الأمر على مالك إذن، فهو كغيره ارتكب الجرم الأعظم والخطيئة المشينة والذنب الفادح وهو التفكير. فليرضى إذن بما سيلاقى.
فكان نشاطه المعادى للاستعمار فى فرنسا أن جائه نبأ سئ ” دق الباب نبأ من تبسة، يخبرنى والدى أن رئيسه حاكم المدينة، أمر بنقله إلى مكان آخر.
بالطبع مصر حاضرة وبقوة ـ ليست قوة الحضور ولكن قوة الطغيان ـ حيث كان سيسافر إلى الحجاز عبر مصر، ولكن مصر أبت.
- لا أدرى هل هناك شيطان خاص بأبناء المستعمرات، يتتبع خطواتهم أينما يتوجهون، ولم يخطر ببالى وأنا أودع (أمى مورناس) ـ حماته ـ، وأدلى بالتوصيات الأخيرة لزوجى، وأخرج من بيتى معتقدًا أنه يكفى جزائريًا يعيش فى ظل الاستعمار، أن يكون فى جيبه جواز السفر وما يكفيه من النقود ليسفر فعلاً كأى إنسان.
وإذا اتبعنى فعلاً فى ذلك الصباح الشيطان، فإنه كان لا شك يضحك منى ويتهيأ ليعيش على حسابى أكبر مهزلة لعبها فى حياته اللعينة.
وصلت إلى باريس فتوجهت فى الحين نحو السفارة المصرية، وكان السفير يومئذ (فخرى باشا)، وعندما وصلت إلى بابها ودخلت، شعرت أننى وضعت أقدامى على أرض وطنى العربى أو الإسلامى أو الاثنين معًا.
فاستقبلنى أحد السعاة وطلب منى تحريرًا وتوقيع الاستمارات النعدة لطلب التأشيرات، فسلمتها له مع الجوازات ثم دلنى ساعٍ آخر على قاعة الانتظار، فوجد أوربيين وخاصة أوربيات لم أكن أعرف بعد ما يجذبهن لزيارة أبى الهول ولا سبب هوايتهن لمناظر النيل، ولا البضاعة الخاصة التى يروجونها على ضفتيه، تلك البضاعة التى ـ سأكتشف فيما بعد ـ لها رواج كبير فى البلاد العربية خاصة اليوم، بعد اكتشاف البترول والسيارات (المرسيدس) ـ لقد تغير الحال يا أستاذ وما عدنا نبيع ـ.
ومن حين لآخر يظهر الساعى فى مدخل القاعة، فينادى أحد المنتظرين ثم يرجع ينادى آخر، وربما يكون قد أتى بعدى، ولم يخامر ذهنى أن أعلق أى تعليق على ذلك متمسكًا بثقتى فى البشر وبالصبر الجميل.
ولكن القاعة بدأت تفرغ حولى، وإذا بالساعى ينادينى، فتنفست الصعداء فدخلت مكتب متسع الأرجاء عميق الأغوار.
إن مركبى الأفلام يعرفون استغلال هذه الظاهرة، فى بعض مقاطع تركيبهم عندما يضعون بين زائر يدخل مكتبًا ومن يستقبله فيه أكبر بعد ممكن، حتى تزيد كل خطوة من خطوات الزائر فى التفاعل بين الشخصيتين، وترتفع بقدر ذلك درجة التأثير المسرحى فى المقطع، خاصة إن كان الزائر يشعر، أو من يقوم بدوره يشعر، أنه يسير فى تلك الخطوات إلى مصيره.
كان يستقبلنى يومئذ قنصل مصر فى باريس، وعندما وصلت وجدت الجوازين على مكتبه:
- أتريد أن تسافر إلى مصر؟
شعرت بخبث السؤال، لأن نظرتى فى وجه القنصل لم تكن مريحة، فأجبت:
- إننى، إن شاء الله، مسافر إلى الحجاز كما ذكرت فى الاستمارات..
- إنك إذن تستطيع الحجز على باخرة تذهب مباشرة إلى جدة دون أى حاجة إلى تأشيرة إلى مصر.
- نعم سيدى كان ذلك أجدى، ولكن شركة (كوك) للأسفار أخبرتنى أن المواصلات المباشرة مفقودة بين مرسيليا وجدة، وأشار على موظفها بأننى سأجد بميناء السويس الباخرة التى تنقلنى إلى ميناء الحجاز، فتوسمت فى الرجل طبيعة ساذجة يتنعم بألم الآخرين، ولا يتراجع عن شر قدّره أو أمر بتنفيذه، حتى كان من العبث أن يحاول المرء إيقاظ ضميره.
فارتجت الأرض تحت أقدامى، فحوقلت، ورجعت وأخذت الجوازات وخرجت، ونفسى تردد الترجيع فى خطوة، وفى أخرى [ إن الرجل صنيعة ] ، لأن الجانب الشيطانى قد اتضح فى الأمر: إن الاستعمار يستطيع أن يتمسك فى بعض الحالات بمظاهر المشروعية، لأن خونة من بين العرب ومن بين المسلمين يتولون الأمر، للقيام بالدور الذى لا تسمح له به كبرياؤه فى تلك الحالات.
وهو يميل إلى الفكرة الوهابية “الأمر الذى لا شك فيه، والذى كنت حسب اعتقادى أعلم المسلمين به، هو أن الاستعمار كان يتضايق كثيرًا من تولى الدولة السعودية على الأرض المقدسة، لأنها ستصبح هكذا منارة إشعاع للفكرة (الوهابية)، يعنى فى نظرى سيطة الفكرة الإسلامية التى تصلح بما فيها من طاقة متحركة، لتحرير العالم الإسلامى المنهار منذ سقوط خلافة بغداد”
وظل مالك بن نبى يبحث ويسأل مذا أفعل الآن؟ ظل هذا السؤال يتردد كثيرًا، فهو يقف عند هذا النقطة يلتقط أنفاسه ويسأل ماذا أفعل الآن؟ وهكذا هو لا يتوقف عن المضى قدمًا فيما يريد ـ إذا وفقه الله سار وإلا سأل نفسه ـ ويتوقف ليسأل نفسه ماذا أفعل الآن؟
وكما سب سيدنا النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو حى، فهو يسب الآن، لا فرق، وسب أيضًا فى عهد مالك بن نبى، حيث كتبت أبيات شعرية على بناية، فى فرنسا، فيها إهانة للنبى العظيم. فتأثر مالك…
“ورجعت إلى غرفتى فى سأعة متأخرة ليلاً والأسى يصط عظامى، وألقيت نفسى على السرير يؤرقنى الألم، وعندما أطفأت النور انطلقت من شفتىّ لعنة على من يتجرأ هذه الجرأة العمياء على حرمة النبى، وانتهت اللعنة فى صورة تضرع:
- يا الله.. إن النبى تمس كرامته ولا تزلزل الأرض!!
ولم تكد هذه الكلمات تمر فى فكرى حتى شعرت بسريرى يتأرجح، وفجاة نسيت دار البا ـ التى كتب عليه الإهانة ـ والللافتة والطلبة ولم يبق فى ذهنى إلا فكرة واحدة:
- هذا شخص تحت السرير!.
فولعت النور على الفور، ولم يكن أحد تحت السرير بطبيعة الحال، ولكننى لم أشك فيما شعرت به من تأرجح دون أن أفسر الأمر بوجه.
وفى الغداة شرعت فى تحقيق لأتأكد، فسألت جيرانى فى الدور فلم يشعر أحدهم بشئ، ولكننى لما كنت كل يوم أحد أطالع الجريدة فتناولتها وأنا على سطح المقهى، وإذا بمقطع صغير ينقل نبأ من مرصد (جرنويش): إن هذا المرصد سجل الليلة هزة صغيرة.
وكانت ساعة الهزة تنطبق مع حركة سريرى، هذا هو الأمر، أفضى به كما هو لمن يريد أن يتأمله ولمن يريد أن يهزأ منه.”
بالطبع هذه المذكرات شديدة الثراء والمتعة، وأنا أرى أنك لتتعرف على شخص ما يجب عليك أن تقرأ مذكراته، أو ترجمة له، ولكن هذه المذكرات يعيبها كثرة الأسماء حيث أن القارء ـ بطبيعة الحال ـ ليس مطلع عليهم ـ ولو كان عايشهم فى زمانهم فما بالك بزماننا ـ فلم يراعى الكاتب هذه الجزئية حيث لم يراعى أنه قد يقرأ شخص ما من بلد آخرى هذه الكلمات، ورغم أن هذا عيب إلا أنه يذكر أسماء الصحف ـ وهى كثير ـ وكأنه تأريخ وليس ذكر . فربما يستفيد المهتمين بتاريخ الناس والصحف بهذه المذكرات. وها أنا أعيب الإسهاب فى موضع إلا أننى أفتقده فى موضع آخر حيث لا يذكر لنا كيف تزوج زوجته الفرنسية، حيث تجد فى لحظة ما يذكر أنه تزوج وكأنك كنت حاضر معهم عقد القران فيعتقد أنك لست بحاجة إلى ذكر كيف تم التعارف والزواج، وأنا لا أكتب هذه الكلمات من باب الفضول ـ وإن كان الكاتب عودنى على هذا بذكره تفاصيل الحكايات والشخصيات والمواقف ـ ولكن من باب أن الأمر ليس فيه مشكلة، فهو ليس ذكر للخصوصيات ولا إقتحام للحرمات، وأعتقد أنه كان محرج أو خجل من ذكر هذا التفصيل ـ الصغير ـ وتأكيدى على هذا أنه فى مواضع آخرى يثنى على زوجته ثناءً جميلاًً، وكأنه أراد أن يعوض هذه بتلك. وهو فى هذه المذكرات أيضًا يذكر أنه تزوج بدون علم أهله، وتأخر فى إخبارهم. وعلى كل فهذه تفصيلة ـ يسيرة ـ شدة إنتباهى لجرأة مالك بالصدع بالحق وعدم خوفه من ذكر تفصيلة وإن كانت بها نقد له هو شخصيًا.
بالطبع لم أوف الكتاب حقه ولا الكاتب مالك بن نبى، ولكن هذا بعض ما جذبنى فى هذه المذكرات، وأنا أدعوكم لقراءة هذه المذكرات..
فهى حقًا مذكرات شاهد للقرن.

ــــــــــــــــــــــــ

نشرت فى مدونتى ابن اليوم بتاريخ 1/1/2010

تمثيل الغناء

تعليق واحد

كان الإنتقال من عالم الغناء إلى عالم التمثيل حلم يراود أغلب المغنيين، حتى أساطين الغناء فى العالم العربى لم يتخلوا عن هذا الحلم ومحاولة تحقيقة، وليس فى العالم العربى فقط بل فى العالم، ولعل فى هذا محاولة لتخليد أسمائهم بالغناء تارة وبالتمثيل تارة آخرى، وإظهار أنهم موهوبون ليس فى الغناء فقط ولكن أيضًا فى التمثيل .
فمثلاً سيدة الغناء العربى قامت بتمثيل ست أفلام أولها وداد 1936 وأخرها فاطمة 1947، وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب مثل أول أفلامه الوردة البيضاء 1933 وأخرها لست ملاكا 1946 ، والقائمة تطول من مغنيين حاولوا تخليد أسمائهم عبر الشاشة الفضية وهذا عبد الحليم حافظ ومحمد فوزى وفريد الأطرش.. ، وهذا مفهوم إلى حد كبير.
ما يحدث الآن هو أمر غريب هو انتقال بعض الممثلين إلى الغناء، وهذا ليس عبر أن يغنى الممثل داخل الفلم ولكن بإنتاج شرائط وفيديو كليب، وها هى سمية الخشاب بطلة أفلام خالد يوسف تدخل عالم الغناء بألبوم غنائى اسمه هايحصل ايه وكأنها تقول هايحصل ايه لما أغنى ، والممثلة لقاء سويدان تدخل عالم الغناء أيضًا بألبوم فرحة حياتى، وليس شأننا أسماء الأغانى أو الألبوم ولكننا نطرح فكرة المشى عكس التيار وهل ستنجح مثل هذه المحاولة؟ لا أحد يعلم على وجه التحديد، فهناك فى كل ساعة مغنى جديد يظهر مع ظهور قناة أغانى جديدة أيضًا كل ساعة، وكما يستثمر المغنى أسمه وشهرته فى التمثيل، يحاول الممثلين أن يستغلوا أسمائهم وشهرتهم فى الغناء، وبالطبع لا ننسى محاولة بعض المغنيين التوجه للتمثيل والتفرغ له، وكان أخرهم المغنى سابقًا والممثل حاليًا إدوارد الذى تفرغ للتمثيل وترك الغناء.
هل ستتكرر المحاولة ( الإنتقال من التمثيل إلى الغناء ) أم سينتظر الكثير من الممثلين نتائج المحاولة، الأيام القادمة ستظهر لنا نتائج هذا المحاولة، ومشاهدة المحاولات الأخرى التى قد تظهر فى الأرجاء .

( الرجل الكبير ) هل يفعلها.. ويعتزل ؟!

تعليق واحد




إضافة مقاعد خاصة للمرأة ( 64 مقعد ) وأنباء عن حل مجلس الشعب وانتخابات برلمانية فى غضون ثلاثة أشهر، كلها مؤشرات على اعتزال الرئيس مبارك من الحكم وإجراء انتخابات رئاسية، لكن لماذا هذا الاعتزال؟، أو بمعنى أدق لماذا هذا الحديث عن الاعتزال؟.

الكل فى مصر يعف أن الرئيس هو وحده

صاحب القرار فى كل شئ من أول تعيين الوزراء والمحافظين إلى رؤساء تحرير الصحف القومية، ولا يعرف عن الرئيس مبارك أنه استشار أحد فى اتخاذ أى من قراراته، ولكن الحديث ليس عن قرار سيتخذه الرئيس فى أمر من الأمور التى اعتدنا عليها ، ولكن الحديث عن اعتزال

الرئيس وانتخاب ( توريث ) رئيس جديد.

لكن ما الذى يجعل الرئيس يعتزل أو يستقيل؟

سؤال لن يجيب عنه أحد ( بصدق ) حتى الرئيس نفسه، لكن هناك توقعات وتخمينات عن الأسباب وهذه الأسباب غير المقدمات التى ذكرتها مذ قليل، وتشير هذا التوقعات إلى أن السبب الأهم الذى فجر قضية الاعتزال هو موت حفيد الرئيس ـ رحمه الله ـ والذى يقال أنه كان متعلق به ـ أعز من الولد ولد الولد ـ مثل مصرى صميم ينطبق بكل تأكيد على حالة الرئيس ـ فهو بشر ـ ، وقد أكد هذا اعتزال الرئيس الظهور فى الإعلام فترة بعد موت الحفيد، وإلغاء زيارة الرئيس إلى الولايات المتحدة، وقد شاهد الجميع حالة الإنهاك التى أصابت الرئيس عليها خاصة فى زيارة الرئيس أوباما إلى مصر، ولكن هذا ليس السبب الوحيد بل السبب الطارئ والعاجل الذى عجل بهذه الأحداث، فالحديث عن توريث الحكم ليس بجديد.

يتصاعد الحديث عن التوريث على فترات فى الصحف الحكومية ـ وغير الحكومية ـ وكأنه بالون اختبار، وتقف الصحف المعارضة فى وجه هذا المشروع بالمرصاد، ويتم تأجيل مشروع التوريث إلى أجل غير مسمى.

الآن وفى هذه اللحظات يقف مؤيدى مشروع التوريث خلف جمال مبارك (الوريث)، يدفعونه للأمام غير عابئين بما قد يؤدى إليه هذا التوريث، والوريث لا يريد أن يجلس على عرش مصر بعد رحيل الأب ففى هذا مخاطرة غير محسوبة، ولكن فى حالة وجود الأب تقل المخاطر ويصبح الوريث رئيس.

ولن يجد الوريث وشلته حال أفضل من هذا فالرئيس أوباما تحدث عن الديموقراطية باستحياء، فهو لن يضغط على دولة من أجل الديموقراطية بل من أجل مصالحه، والرئيس مبارك منهك بعد أن بلغ من الكبر عتيا ووفاة حفيدة، وغياب ـ أو تغييب ـ أى وجه يصلح للرئاسة بعد تفريغ كل الأحزاب وإشغالها بصراعات داخلية مرهقة، وتحجيم الإخوان المسلمين باعتقال أعضائها بالإضافة إلى عناصر من مكتب الإرشاد، ماذا تبقى؟، بعض الصحف المعارضة!!! ليست مشكلة، فهى تؤذن فى مالطة، والنظام دائمًا يفعل ما يريد

ستمتلئ الصحف والمواقع فى الأيام المقبلة لعرض الشكل الأمثل للقيام بعملية الاعتزال ثم التوريث، ولن يبقى أحد فى جوفه شئ إلا أخرجه، ولكن لا تفيد مثل هذه التحليلات أو التوقعات، لأن الجميع يعلم أن الرئيس دائمًا يخالف التوقعات ـ لأنه كما أشار سابقًا أنه لا يستجيب للضغوط الخارجية أو الداخلية ـ ولكن هل يستمر الرئيس على قراره هذا، أم ان الأيام والأحداث قد جعلت الرئيس مبارك يتراجع عن هذا المقولة.

القرار دائما كان فى يد الرئيس، والآن أيضًا القرار فى يده .

هل يفعلها ويعتزل؟ أم يخيب أمال وطموحات الوريث ويجلس على العرش مادم فى الصدر قلب ينبض ونفَس يتردد؟

هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة .

أنـــــــا.. عبقرية العقاد

تعليق واحد



لا أعرف كيف أكتب عنه ، فهذا الرجل الذى حينما داعبه صديقه بعد أن استقبلا فى ركن من أركان ردهة المائدة الصغيرة صندوقًا مربعًا به حاكٍ ( راديو او مشغل الاسطوانات ) فقال الصديق: إن هؤلاء العازفين فى موضعهم هنا لأنهم يعزفون لك على الطعام ، فلا يفوتك حظ الخواقين والشاهات ( مش عارف معناهم بس شكلهم حاجه كبيرة ) فى قصور البذخ والسلطان!
فأجابه العقاد: إن الإنسان يا أخانا لا يأكل أكلتين فى لحظة واحدة: أكلة روح وأكلة معدة، وما من كرامة الموسيقى الرفيعة أن تشتغل بشئ آخر وأنت تستمع إليها.
هذا ما قاله العقاد لصديقه حينما داعبه ، فماذا كان سيقول حينما يسمع الآن ( وانا أكتب هذه الكلمات ) أغانى فرح شعبى من الطراز المتدنى !
يا لسخرية القدر!! أكتب عن العقاد وتصم أذنى أغانى من نوعية ( أنا شارب سيجارة بنى ) !!!
ولنبدأ مع العقاد كما فى كتابه ( أنـــــا ) .
فيبدأ العقاد الكتاب بالحديث عن نفسه فيقول إنه يرى نفسه عكس ما يراه الناس.
فيقول: فعباس العقاد هو فى رأى بعض الناس ـ مع اختلاف التعبير وحسن النية ـ هو رجل مفرط الكبرياء.. ورجل مفرط القسوة والجفاء..
ورجل يعيش بين الكتب، ولا يباشر الحياة كما يباشرها سائر الناس.
ورجل يملكه سلطان المنطق والتفكير ولا سلطان للقلب ولا للعاطفة عليه.!
ورجل يصبح ويمسى فى الجد الصارم فلا تفتر بضحكة واحدةإلا بعد استغفار واغتصاب.
هذا هو عباس العقاد فى رأى بعض الناس.
ويقسم العقاد بكل ما يقسم به الرجل الشريف أن هذا الرجل لا يعرفه ولا رأه ولا عاش معه لحظة واحدة ، ولا التقى به فى طريق.. ونقيض ذلك هو الأقرب إلى الصواب.
ويقول العقاد أنه لا يزعم أنه مفرط فى التواضع ولا فى الرقة واللين.
ولكننى أعلم علم اليقين أننى أجازف بحياتى، ولا أصبر على منظر مؤلم أو على شكاية ضعيف.
ويستدل العقاد على هذه الأوصاف التى خلعها على نفسه بحكاية..
أنه عندما كنت فى سجن مصر رجوت الطبيب أن يختار لى وقت للرياضة غير الوقت الذى تنصب فيه آلة الجلد لعقوبة المسجونين.
فدهش الطبيب، ظن أنه يسمع نادرة من نوادر الأعاجيب..
وقال لى فى صراحة: ما كنت أتخيل أن أسمع مثل هذا الطلب من العقاد “الجبار”.
ومن يعتقد أن كتابات العقاد تحمل من اسمه الكثير ( التعقيد ) فهو خاطىء، فهو يكتب مذكراته بأسلوب سلس ، لا لبس فيه ولا غموض ـ اللهم إلا من بعض الكلمات القليلة التى كانت دارجة فى زمانهم واختفت الآن أو ندر استخدامها ـ.
فهو يتحدث عن أبيه وفى كلماته مسحة وقار واحترام ، وبالرغم من ذلك يذكر قصة طريفة..
كان لأبى حمار ينتقل عليه من قرية إلى قرية، حين كان معاونًا للإدارة، فلما استقر فى المدينة باعه لبعض المكارين ( جمع مكارى وهو العربجى ) ، وكان الحمار مشهورًا بالسرعة وهدوء الحركة، فكان المستأجرون يطلبونه فيقولون: “هات حمار العقاد” ثم اختصروا كعادتهم فأصبحوا يطلبونه فيقولون: ” هات العقاد! هات العقاد” فلما سمع بذلك عاد فاشتراه وقبل المغالاة فى ثمنه على غير حاجة إليه ، وهذا لأنه لم يكن يغضب لشىء كما كان يغضب لكرامته وسمعة اسمه.
وحينما يتحدث عن الطفولة فيقول: إن الذاكرة ملكة مستبدة، ويراد بنسبة الاستبداد إلى هذه الملكة العقلية أنها تحفظ وتنسى على غير قانون ثابت.
واجمل المناظر التى تحتفظ بها الذاكرة من ذخائر العاشرة ـ وما دونها ـ منظر فتاة أوربية هيفاء ( مش هيفاء بتاعة الكليبات ) لفت نظرى أنها تسير وسط المدينة وتدير على خصرها حزامًا “أو مشدا” لا يزيد قطره على بضعة قراريط.. وتخطر فى الطريق الوعر كأنها تلمس أغصان الشجر بقدمى قطاة.
ولم أكن أفهم يومئذ أن نحافة الخصر جمال محبوب، ولكننى فهمت أنه أعجوبة نادرة، وتبعت الفتاة الهيفاء حول منعطفات الطريق، ولا أعلم لماذا أتبعها، ولايدور فى خلدى خاطر غير الاستزادة من هذا المنظر العجيب، الرشيق.
والعقاد يتصف بالذكاء منذ الصغر، فهو حينما تحدث عن أحد مدرسيه قال: كان لى أستاذ حساب وهندسة، يؤمن بالخرافات وشفاعة الأولياء، وكان محدود الفهم فى دروسه ولا سيما المسائل العقلية فى درس الحساب.
وكان يتردد على مسجد يعتكف فى زاويته رجل من المشهورين بالولاية وصنع الكرامات فدعانا جميعًا ـ نحن تلاميذ السنة النهائية ـ إلى صلاة المغرب معه فى ذلك المسجد، للتبرك بالرجل الصالح، وتلقى النصائح منه.
وجاء دورى فى تلقى النصيحة، فقال لى الرجل: “أما أنت فعليك باللغة الإنجليزية”..
وعجبت وعجب زملائى من هذه النصيحة، لأننى كنت من المتقدمين فى هذه المادة على الخصوص، ولكن زملائى فسروا هذه النصيحة بسر الولاية..
فلما اجتمعنا بالمدرسة فى أول حصة للحساب، قال الأستاذ الرياضى:
“تذكر نصيحة الشيخ يا فلان ؟”
قلت: “إن الشيخ لم يقل شيئًا”
قال وهو يحوقل: “كيف لم يقل شيئًا؟.. ألم ينصحك بالاجتهاد فى اللغة الإنجليزية ؟”
قلت: “نعم فعل.. ولكنه سيظفر بالسمعة فى علم الغيب أيا كانت النتيجة، فإن نجحت قيل إنها بركة لنصحه، وإن أخفقت قيل إنه قد عرف هذا فحذرنى منه”
وإلى لقاء آخر إن شاء الله..

صور الجزرة على غزة 2

تعليق واحد

صور المجزرة على أهلنا فى غزة وبها صور للقنابل الفسفورية

















































































مدخلات قديمة الإدخالات اللأحدث

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.